سيد محمد طنطاوي

406

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

تؤدى إلى مجاهدة النفس ، وحملها على طاعة اللَّه - تعالى - . والمسغبة : المجاعة ، مصدر ميمى بمعنى السّغب ، يقال : سغب الرجل - كفرح ونصر - إذا أصابه الجوع . ووصف اليوم بذلك على سبيل المبالغة كما في قولهم : نهاره صائم . . وقرأ ابن كثير وأبو عمرو والكسائي « أطعم » بصيغة الفعل الماضي . أي : اقتحام العقبة . أي : التمكن من حمل النفس على طاعة اللَّه - تعالى - يتمثل في فك الرقاب . وفي إطعام المحتاجين في يوم يشتد فيه جوعهم . وقوله - سبحانه - : * ( يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ . أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ) * بيان لفضيلة ثالثة من الفضائل التي تؤدى إلى رضا اللَّه - تعالى - . وقوله : * ( يَتِيماً ) * منصوب على أنه مفعول به لقوله « إطعام » أو أطعم على القراءة الثانية . واليتيم : هو الشخص الذي مات أبوه وهو صغير . . والمقربة : بمعنى القرابة ، مصدر ميمى ، من قرب فلان من فلان ، إذا كان بينهما نسب قريب . . والمتربة : الحاجة والافتقار الشديد ، مصدر ميمى من ترب الرجل - كطرب - إذا افتقر ، حتى لكأنه قد لصق بالتراب من شدة الفقر ، وأنه ليس له مأوى سوى التراب . وأما قولهم : أترب فلان ، فمعناه استغنى ، حتى لكأن ماله قد صار كالتراب من كثرته . أي : اقتحام العقبة من أكبر مظاهره : فك الرقاب ، وإطعام الطعام لليتامى الأقارب ، وللمساكين المحتاجين إلى العون والمساعدة . وخص - سبحانه - الإطعام بكونه في يوم ذي مجاعة ، لأن إخراج المال في وقت القحط ، أثقل على النفس ، وأوجب لجزيل الأجر ، كما قال - تعالى - : لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ . وقيد - سبحانه - اليتيم بكونه ذا مقربة ، لأنه في هذه الحالة يكون له حقان : حق القرابة ، وحق اليتم ، ومن كان كذلك فهو أولى بالمساعدة من غيره . وقوله - تعالى - : * ( ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وتَواصَوْا بِالصَّبْرِ ، وتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ) * معطوف على قوله - تعالى - قبل ذلك * ( فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ . . ) * . و « ثم » هنا للتراخي الرتبى ، للدلالة على أن ما بعدها أصل لقبول ما قبلها . والمعنى : هلا كان هذا الإنسان ممن فكوا الرقاب ، وأطعموا الطعام لليتامى والمساكين . . ثم كان - فضلا عن كل ذلك - من الذين آمنوا باللَّه - تعالى - إيمانا حقا ، وممن أوصى بعضهم